محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، قولُ من قال : إن الله عنى بقوله : " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " جميعَ أحوال قيام القائم إلى الصلاة ، غير أنه أمرُ فرضٍ بغسل ما أمر الله بغسله القائمَ إلى صلاته ، بعد حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه ، وقبل إحداث الوضوء منه = وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه ، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته . ولذلك كان عليه السلام يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة ، ثم صلىّ يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد ، ليعلّم أمته أن ما كان يفعل عليه السلام من تجديد الطهر لكل صلاة ، إنما كان منه أخذا بالفضل ، وإيثارا منه لأحب الأمرين إلى الله ، ومسارعةً منه إلى ما ندبه إليه ربّه = لا على أن ذلك كان عليه فرضًا واجبًا . فإن ظنّ ظانٌّ أن في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة ( 1 ) دلالةً على خلاف ما قلنا من أن ذلك كان ندبا للنبي عليه السلام وأصحابه ، وخُيِّل إليه أن ذلك كان على الوجوب = فقد ظنّ غير الصواب . ( 2 ) وذلك أن قول القائل : " أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا " ، محتملٌ من وجوه لأمر الإيجاب ، والإرشاد والندب والإباحة والإطلاق . وإذ كان محتملا ما ذكرنا من الأوجه ، كان أولى وجوهه به ما على صحته الحجة مجمعة ، دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقيقة مدَّعيه . ( 3 ) . وقد أجمعت الحجة على أن الله عز وجل لم يوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا على عباده فرضَ

--> ( 1 ) انظر الأثر رقم : 11328 . ( 2 ) سياق هذه الجملة : فإن ظن ظان . . . وخيل إليه أن ذلك كان على الوجوب ، فقد ظن غير الصواب " . ( 3 ) قوله : " حقيقة مدعيه " ، أي : حق مدعيه . واستعمال " حقيقة " بمعنى " حق " ، قد سار عليه أبو جعفر في كتابه هذا ، وسار الناشرون على تغيير " حقيقة " ، إلى " حقية " ، كما جاء هنا في المطبوعة ، مخالفا للمخطوطة . وانظر ما سلف 8 : 568 ، تعليق : 1 = ثم : 592 ، تعليق : 7 = ثم 9 : 336 ، تعليق : 4 = ثم : 360 ، تعليق : 4 .